محمد هادي معرفة

592

التمهيد في علوم القرآن

ثمّ إنه قد يتفاوت في الحسن ، لأنه يستعمل على وجهين ، أحدهما : أن لا يظهر وجه التشبيه في الاستعارة ، بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا ، فما هذا حاله يعدّ من أحسن الاستعارة . وهذا كقوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ « 1 » وقوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 2 » فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه ، فلو أردت التكلّف في إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حدّ البلاغة ، وكلّما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا ، وهذا هو مجراها الواسع المطّرد . وثانيهما : أن يكون هناك مشبّه ومشبّه به من غير ذكر أداة التشبيه ، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأول في الحسن . والتمثيل في القرآن كقوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ « 3 » فالآية إنما جاءت مسوقة على أنّ حال هؤلاء الكفّار قد بلغوا في الجهل المفرط والعمى المستحكم في الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد ، بمنزلة من هو أصمّ أبكم أعمى ، فلا يهتدي إلى الحقّ ولا يرعوي عمّا هو عليه من الباطل . ومنه قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً « 4 » فحاصل الأمر : أنّ كلّ من انقاد لهواه وأعرض عن حكم عقله في كل أحواله وصار العقل منقادا في حكمة الذّلّ موطوء بقدم الهوى فإنه ينزّل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ، فهو معرض عمّا يأتيه من الحقّ صادف عنه . وهكذا قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ « 5 » .

--> ( 1 ) النحل : 112 . ( 2 ) الإسراء : 24 . ( 3 ) البقرة : 18 . ( 4 ) الجاثية : 23 . ( 5 ) البقرة : 7 .